أحمد مصطفى المراغي

271

تفسير المراغي

الباطل ، فلا يستطيع مقاومة الحق إذا صدمه ، ولكنه يذهب بالنفس إلى أسوإ مصير ، إذا انجرّت مع وسوسته ، وانساقت معه إلى تحقيق ما خطر بالبال . وهذه الأحاديث النفسية إذا سلط عليها نظر العقل خفيت واضمحلت ، ولكن الموسوس عند إلقائها . وحديث النفس بالفواحش وضروب الأذى للناس ، يذهب هباء إذا تنبهت النفس لأوامر الشرع ، وهكذا إذا وسوس لك امرؤ وبعثك على فعل السوء ثم كرّته بأوامر الدين يخنس ويمسك عن القول ، إلى أن تستح له فرصة أخرى . وقد وصف اللّه هذا الوسواس الخناس بقوله : ( الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ ) أي إن هذا الوسواس الخناس الذي يوسوس في صدور البشر ، قد يكون من الجنة وقد يكون من الناس ، كما جاء في قوله تعالى : « وَكَذلِكَ جَعَلْنا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَياطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ » فشيطان الجن قد يوسوس تارة ويخنس أخرى ، وشيطان الإنس كذلك ، فكثيرا ما يريك أنه ناصح شفيق ، فإذا زجرته خنس وترك هذه الوسوسة ، وإذا أصغيت إلى كلامه استرسل واستمر في حديثه وبالغ فيه ، وقد ثبت عن النبي صلى اللّه عليه وسلم أنه قال : « إن اللّه عزّ وجل تجاوز لأمتي عما حدّثت به أنفسها ما لم تعمل أو تتكلم به » رواه أبو هريرة وخرّجه مسلم . وإنما جعل الوسوسة في الصدور من قبل أنه عهد في كلام العرب أن الخواطر في القلب ، والقلب مما حواه الصدر عندهم ، ألا تراهم يقولون : إن الشك يحوك في صدرك ، ويجيش في صدري كذا ، ويختلج ذلك بخاطري ، وما الشك إلا في نفسه وعقله ، وأفاعيل العقل تكون في المخ ، ويظهر لها أثر في حركات الدم وضربات القلب ، وضيق الصدر وانبساطه . قال الأستاذ الإمام : الموسوسون قسمان : ( 1 ) قسم الجنة وهم الخلق المستترون الذين لا نعرفهم ، وإنما نجد في أنفسنا